مؤيد الراوي وبيروت الحرب الأهلية

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
26/10/2015 06:00 AM
GMT



في نفس المقهى Cemci وقريبا من مكان التدخين ، جاء مؤيد في لقائنا الثاني بصحبة فخرية.
 كما الطفل يرفع قدمه عاليا ليعبر عتبة وهمية. قادت فخرية خطواته بصبر الى داخل المقهى وأجلسته على الكرسي. فعلت ذلك بخفة المتمرس لتوحي له بان هذه هي أفعاله. قبل أن نفتح الحديث وبينما يلف سيكارته الأولى همست فخرية في أذني ( هو مرتاح لأن الألم فارقه اليوم ، فقد أعطيناه ، دون أن يدري، أول جرعة كيمياوي ضد السرطان). . من الفلسطينيين تعلمت فخرية الصبر بجانب الألم حين كانت تساعد منكوبي تل الزعتر الذين تجمعوا في جامعة بيروت العربية. بين الهلوسة والصراخ كانت تسجل شهاداتهم وتحل مشاكلهم .
في بيتهما ببرلين أخذني مؤيد بنفسه لأرى كيف حول الأطباء غرفة نومه في البيت إلى جزء من المستشفى . نقلوا جهاز غسل الدم الى بيته مع ذخيرة هائلة من الأكياس. ثلاث مرات كل أسبوع ، وعلى مدى ست سنوات يكبل مؤيد بالسرير لمدة خمس ساعات وعيناه مثبتتان في بياض السقف.لا شيء سوى الألم وقد تحول جسده. تدور العتلات حوله وتتقطر السوائل في جسمه ، قطرة ، قطرة كما الزمن المتبقي.
الجديد في رحلة مؤيد مع الآلام هو اكتشاف ان السرطان منتشر في كل أنحاء جسمه ، فلا يستطيع النوم لأنه يتحسس هذا الحيوان اللئيم يأكل عموده الفقري من الداخل بشراهة وتواتر. والأسوأ أن هذا الحيوان منه ومن نتاج جسمه. كيف يصير هذا الجسد الذي نحمله ويحملنا مصدر عذابنا؟!
خلف عينيه رايت هذه المرة غيمة رصاصية ومؤيد تائه فيها. حين أتحدث يرى صوتي فيميز الشبح الذي امامه ويراه بعين ذاكرته. بين آونة وأخرى يدفع رأسه الى الخلف كانما يتحاشى ذبابة تلاحقه.
نحن الثلاثة كنا هناك ، فقد جمعتنا بيروت في الأعوام من ١٩٧١ الى أواسط الثمانينات. مكتب مجلة (الى الأمام ) ضم ثلاثة من الستينيين هم عمران القيسي ، شريف الربيعي ، مؤيد الراوي وأنا. مؤيد غطى جدران هذا المكتب الرث بصور الكفاح المسلح ، وفي الوسط صورتان كبيرتان لماركس ولينين . في تردده بين المطبعة والتحرير يقف شريف دائما أمام صورة لينين و يحرك أصبعه لوما ( وللك ياعكروت يا أبو لحية، كل هذي البلاوي من وراك !) .. هذا المكتب مكان عمل مؤيد الأعزب ومكان نومه. برنامجه اليومي يبدأ من الساعة الواحدة ظهرا ..قبل ذلك ينشغل مؤيد بحركة غاضبة ، أن يغلق الباب بوجه كل من يفتحه غير دار بأن هناك من هو نائم حتى الساعة. لا احد يجرؤ على ان يلوم مؤيد على هذه الحياة اليومية المقلوبة. . هذا هو مؤيد. يستيقظ مؤيد فيؤدب الجوع بسيكارة (طاطلي سرت) التركية ( غليظة وقوية). لا يدخن فقط ، إنما يمتص السيكارة كما القبلة الأولى . بعد ذلك نشم رائحة البيض المقلي في المطبخ فنترك الأقلام ، ولكن في الغالب نجرجر الجوع معنا ونحن نكتب . تمضي أشهر ونحن بلا رواتب وفي جوع دائم. كلما نسال يأتينا الجواب بأن مندوبنا مازال في ليبيا ينتظر المحاسب الليبي الكسول ليدفع حصة المنظمة من المنح الليبية لحركات التحرر. بعد ذلك يدخل مؤيد الغرفة ، و يدخل الدخان قبله. يجلس معنا في غرفة التحرير ليكتب مقاله الأسبوعي فتمتلئ الغرفة برائحة الدخان. يستخدم مؤيد كل خزينه من الماركسية اللينينية في تحليل الوضع الراهن وكانت البرجوازية الصغيرة، حاكمة كانت ، أم فصيلا مقاوما ، أم طبقة بذاتها، شاغلنا. هل سقطت من قائمة حلفاء الثورة، أم ما زالت معلقة بخيط؟ كاننأ كنا نهاجم أنفسنا ونحن نهاجمها بتواتر وحدة .. نهاجم ترددها، تراجعاتها أما حلول التسوية النصفية، مخاوفها السايكولوجية … كنا نريدها ثورة صافية ، لن تكتفي بتحرير فلسطين وحدها، إنما قبل ذلك تحرير الشعوب العربية من الحكومات الجائرة . الثورة الدائمة كما وصفها تروتسكي كانت تسحر مؤيد. حين اختطفت الجبهة الشعبية حزمة طائرات وأنزلتها في صحراء الأردن . كتب مؤيد مقالا افتتاحيا تحت عنوان (شكرا أيها الرفاق !) وأنزل العنوان على الغلاف مع صور الطائرات وهي تتفجر. في تلك السنوات يتدفق علينا ثوار ويساريون من كل أنحاء العالم ليتعرفوا على الثورة . غسان كنفاني كان يحذرنا من أن بعضهم جواسيس، لكننا أنا ومؤيد نتحدث إليهم عن الثورة.كحليف شرق أوسطي لثورات الشباب في أوربا وأمريكا وحركات الكفاح المسلح في فيتنام وأمريكا اللاتيينية ، هي ثورة جماهير فقيرة ضد اليمين الصهيوني. وبعد خروج الزوار الأجانب ، وبعد دفق الحديث ننفخ من تعب و نحن نسأل أنفسنا بصمت : هل الحقيقة هكذا ؟
يبقى مؤيد يكتب ويصمم لساعات دون ملل. هذا هو مؤيد الآخر النقيض للكسول نؤو م الضحى . كنت اراقبه وهو يصمم المجلة ويخط العناوين أحيانا. يفعل ذلك وهو يدمدم مع نفسه بأغان منسية احيانا وعلى وجهه ابتسامة قاسية وهو يصك أسنانه في نوع من الشماتة بالنفس. مع ذلك يجد مؤيد في بيروت المقاتلة نوعا من الحيوية مقابل ملل الحياة في العراق . هنا نحن ننتقد وهناك نكتفي بالصمت. وهنا نعتقد أننا نغير الأحداث بينما نختفي هناك في جلودنا. هنا نوع من الرفقة والتكافو بينما هناك (يشعر أنه في دائرة لئيمة ، معبأة بالضغينة ، من يمكث فيها صبي عاثر الحظ ، تحيطه النار وتصادفه الفخاح ). لم تكن الثورة التي حلمنا بها حاضرة في عملنا المكتبي. شريف كان واقعيا حد الفجاجة ( لم لا ناخذ الأمر وكان كل ما حولنا مشفى لأمراضنا النفسية.) .أنا ومؤيد كنا نرى الثورة هناك في القواعد الأمامية حيث المواجهة والحياة على الحافة.
في المساء المتاخر وبعد ساعات من العمل المتصل حين يغرق مؤيد في سحابة من دخانه يلقي القلم والمسطرة ويترك المكتب ساخطا. في الطريق من المزرعة الى الروشة نسير على رصيف البحر .. هنا تأتينا أفكار خارج المكان، بعيدا عن الأخبار التي نتابعها. ننظر بين آونة وأخرى لفوهة البحر اللامتناهبة وإلى أضواء سفينة ضائعة في السديم وتاتينا أفكار خارج المكان. تغيب الثورة ومقاتلوها وتتقدم همومنا الميتافيزيقية ، هموم وجودنا في هذا الكون المنسي. أقول لمؤيد أنني أصحو فجاة على وهم أنني لست هنا ، إنما في مكان لا أعرفه . يصغي مؤيد ، كمن لا يسمعني ، لنداء غامض كصرخة نورس في الظلمة. بعد سيل النصائح والتوجيهات يدرك مؤيد أن هذا ليس خلاصا. مع ذلك فهو يجيد التماثل مع الأمكنة التي هو فيها، يدري أنه ليس هنا وليس هناك ، ومع ذلك يحيد الأزمنة وهي تبتعد.
نذهب معا الى سرداب ضاج بالأجراس والأصوت المتقاطعة حيث يحب مؤيد أن يفرغ شحنة أعصابه بلعب الفليبرز. السيكارة مدلاة من فمه ويتساقط رمادها على الزجاج ومؤيد يهز الماكنة بقوة متابعا الكرة المعدنية وهي تتخبط داخل الصندق ، بأعصابه يحاول التحكم بمسارها فتفلت لصدفتها. بعدها يتعب ويتنفس بعمق كما بعد جولة جنسية متعبة.
أحب مؤيد المنتفخ بحيوية واهمة أمام مرآة المكتب مائلا الى الخلف وقد قلص عينيه وهو يلبس بدلته السوداء التي تيبست أطرافها ، يشد ربطة عنقه. ويعدل أناقته ويمسد شعره قبل أن يخرج لموعد غرامي. لا أعرف كيف أعفط واستجلب ابتسامته الساخرة من نفسه حين أراه كهذا وانا أعلم أن ليس في جيبه مايزيد على ثمن قهوة . مرة مررنا أمام المقهي فنبهني شريف وهو يكبت ضحكة إلى وجود مؤيد مع امرأة لبنانية نعرفها. كان يدخن وقد قلص عينيه والمرأة تتلقط كلماته بدهشة.. هذا كائن من كوكب آخر ! هكذا تقول لنفسها. ونحن نتعداهم سألني شريف عن ماذا تقدر أنه يحدثها؟
-عن الكفاح المسلح؟ عن الثورة العالمية ؟ عن كركوك وجماعتها. عن الوجود والعدم؟؟؟
بحاجبه نفى شريف كل هذه الاحتمالات:
-هو لا يتكلم إنما بطنه تقرقر من الجوع.
صدقت شريف الواقعي لأن مؤيد مثلنا لم يأكل طوال هذا اليوم غير بيضة مقلية ونصف رغيف. والباقي سكاير .
مدافع الحرب الأهلية كانت تدوي حول مخيم صبرا ومنطقة الفاكهاني حين التقيت مؤيد بعد فراق في بيروت للمرة الثانية . جئته من العراق على عجل لأشاركه هذا الجحيم. تلال المزابل وأكياس الرمل تقطع هذه الثكنة المحاصرة في صبرا والفاكهاني. اسراب الجرذان العاوية تعبر تحت أقدام المقاتلين الواقفين وراء المتاريس واصابعهم على الزناد. وسط هذه الفوضى وجدت بيت مؤيد نظيفا حد الدهشة، والكتب مرتبة بإتقان . وستارة النافذة مزاحة قليلا لنطل على جحيم الحرب الأهلية. هذه لمسات فخرية. وقفنا في الشرفة ليدخن ويحدثني عن خارطة الموت .
-أنظر هناك في البعيد وعلى اليسار قليلا الأشرفية. منها …
سقطت قذيفة خلفي فارتجفت .
-بعيدة. في حرش الصنوبر.
كان الحرش خلفنا تماما. طوال الحرب وفي كل يوم يترك مؤيد. بعد يوم عمل طويل في مجلة (فلسطين الثورة) ويذهب بالاتجاه الآخر . لم تعد الروشة مكان جولاته المسائية، ولم يعد يشد ربطة عنقه أمام المرآة قبل الذهاب الى (الدولشا فيتا).صارت لعبة الفلبرز حقيقية في خط التماس .
يضع مؤيد المسدس في جيبه الخلفي بعد أن يسحب الأقسام ليتأكد من التعبئة. أخذني ليريني (خط التماس)، وهو تعبير رقيق ومناقض لخط الموت الذي يفصل بين الأعداء.( لنذهب سويا الى حيث رائحة الدم تفوح!).. هكذا يقول لي في واحدة من قصائده. نمر بأزقة المخيم لنحتمي من القصف بالجدران وهي مقتلنا. عليها تتجدد صور الشهداء كل يوم . الجدد يغطون القدامى . صفوفهم تنظر الينا بإمعان وجد : أنتم الآتون ! يعبر مؤيد واحدا من الشوارع بركض خجول . لم أره يوما يركض بهذه الطريقة المضحكة. أغرس راسي بين كتفي وأعبر خلفه تحاشيا للقناص الذي يرانا من لوحة التسديد. ندور في أزقة الموت متحاشين القناصين في أبراجهم ونعبر ركام الأبنية وفوقنا الفنادق العالية تحولت الى نصب من الفحم ، تقطع المتاريس طرقنا فنصعد السلالم التي تفوح برائحة الدم حيث جرى القتال من طابق لطابق ، وحتى في طابق واحد. ثمة بقايا مهشمة من رفاه الحي التجاري السابق المهجور. هناك بضاعة واحدة حلت محل بهجة البضائع السابقة : الموت. رائحته الثقيلة الخانقة تدوخني.
الحرب الأهلية ملأت مخيلة مؤيد بالعنف والموت. يحدثني عنها ببرود المقاتل الذي رأى كل شيء وما عاد يدهشه شيء، لكن كوابيسها دخلت في تلافيف ذاكرته وشكلت كوابيسه في النوم وفي قصائده:
أعمى هو من يمر بالأجساد المثقوبة ولا يتلطخ بالدم ، يحيل العثرة إلى صدفة الحجارة ويمر.
مغلق العينين من يغسل ويتوضأ ، يأكل
ثم ينام .
عن "المدى"